حسن الأمين
13
مستدركات أعيان الشيعة
في ذلك المكان ولا يخلص من طايفتهم أحد إلى بحر الهند إلى أن خلص منهم غراب ( مركب ) إلى الهند فلا زالوا يتوصلون إلى معرفة هذا البحر إلى أن دلهم شخص ماهر من أهل البحر يقال له أحمد بن ماجد صاحبه كبير الفرنجة وكان يقال له الملندي ( الأميرال ) وعاشره في السكر فعلمه الطريق في حال سكره ، وقال لهم : لا تقربوا الساحل من ذلك المكان وتوغلوا في البحر ثم عودوا فلا تنالكم الأمواج . فلما فعلوا ذلك صار يسلم من الكسر كثير من مراكبهم فكثروا في بحر الهند وبنوا في كوه ( جوا ) بضم الكاف المعجمة وتشديد الواو وبعدها هاء اسم لموضع من ساحل الدكن هو تحت الفرنج الآن من بلاد الدكن قلعة يسمونها كوتا ثم أخذوا هرموز وتقووا هناك وصارت الأمداد تترادف عليهم من البرتقال فصاروا يقطعون الطريق على المسلمين أسرا ونهبا ويأخذون كل سفينة غصبا إلى أن كثر غدرهم على المسلمين وعم أذاهم على المسافرين فأرسل السلطان مظفر شاه ( 1 ) بن محمود شاه بن محمد شاه سلطان كجرات يومئذ إلى السلطان الأشرف قانصوه الغوري ( 2 ) يستعين به على الإفرنج ويطلب العدد والآلات والمدافع لدفع ضرر الإفرنج على المسلمين ولم يكن أهل الهند إذ ذاك يعرفون المدافع والمكاحل والبندقيات يومئذ ومن أرسل إلى السلطان الغوري يطلب منه النجدة على الإفرنج السلطان عامر بن عبد الوهاب لكثرة ضرر الإفرنج بالمسلمين في بحر اليمن واستعمال المدافع ونحو ذلك فجهز السلطان قانصوه من كبار مقدميه الأمير حسين الكردي وأصحبه طايفة كبيرة من اللوند كبيرهم سليمان الريس وجهز لهم عمارة عظيمة وأغربة نحو الخمسين بمدافع كبيرة وضربانات وولاه نيابة جدة . . فأول ما جاء بنى على جدة سورا محيطا بها في عام سبع وعشر وتسعمائة ( 917 ه ) . هذه هي رواية النهروالي أوردناها بنصها . ويرى أغلب المستشرقين أن الموضوع الخاص بسكر ابن ماجد مبالغ فيه ، ونرى معهم ذلك وقد سبق أن دللنا على ورع الرجل وتمسكه بالدين والفضيلة وبخاصة وقد تجاوز الستين من عمره في ذلك الوقت ، ولا تسمح له هيبته أن يجالس في السكر رجلا من أبنائه ، ثم كيف يطمئن دي گاما على سلامة أسطوله إذ ما قاده رجل في حالة سكر ! ولربما كان الدافع على هذه الرواية أن أرشد ربان مسلم سفينة للفرنجة إلى الهند ثم ظهرت نياتهم السيئة فيما بعد . هذا ولم يرد في رواية المؤرخين البرتغال أي إشارة لموضوع السكر هذا وكان أجدر بهم أن يفعلوا لو حدث . بل ويذكر دي باروش مؤرخ الرحلة أن الأميرال البرتغالي قد اطلع المرشد العربي في ماليندي على أسطرلاب خشبي كبير قطره نحو 60 سنتمترا وعلى بوصلات و « كواردنت » ولم يبد الملاح العربي أي دهشة لما رأى بل الذي أخذته الدهشة هو دي گاما نفسه حين أطلعه ابن ماجد على خارطات عربية ممتازة موضح بها خطوط الطول والعرض وعلى آلات ملاحية عربية . ووضح من هذه المقابلة أن الربابنة العرب كانت لديهم طرق مختلفة لحساب خطوط العرض تتفوق على تلك التي كان يستعملها البرتغال ، فبينما كان هؤلاء يتبعون بطليموس في الاستعانة بحساب ارتفاع الشمس بالاسطرلاب ويستعملون دائرة محيطها 360 كان العرب يستخدمون الحساب الليلي بقياس ارتفاع النجوم ومواقعها بالنسبة للنجم القطبي وهي طريقة أكثر دقة كما كانوا يستعملون وحدة « الإصبع » في الحساب « وإلزاما » للمسافات ويقسمون حقتهم ( بوصلتهم ) إلى 224 درجة وطريقتهم كانت المثلى في الملاحة في المحيط الهندي . وسرعان ما وضح لفاسكو دي گاما من مقابلته لابن ماجد أنه أمام ند خطير ، وأن تحت يديه كنز ثمين في شخص هذا الربان العربي مما دفعه إلى الابحار فورا إلى الهند دون تباطؤ وبعد يومين من مقابلة ابن ماجد ، فترك ماليندي يوم 24 أبريل عام 1498 فوصل كلكتة بعد 22 يوما على حد قول المؤرخ دي باروش البرتغالي . وحالما وصلت البعثة إلى كلكتا بعث فاسكو دي گاما بأحد أعوانه مع ابن ماجد لمقابلة رجال الجمارك واعلامهم بمجيئه وقضى الاثنان الليلة ضيوفا على أحد عمال الجمارك في كلكتة ويدعى أبو سعيد في مكان بالقرب من الميناء يسمى « كايوكات » . وإلى هنا تنتهي أخبار المرشد العربي في المصادر البرتغالية وان كانت هذه المصادر لتذكر أيضا أن دي گاما أرسل بمخطوطات عربية ملاحية وبخارطات بحرية من المحيط الهندي إلى الملك عمانويل ملك البرتغال ، كما ينص المؤرخ دي باروش أيضا على أن البرتغال قد أفادوا من تلك المخطوطات والخارطات العربية في وصفهم لمنطقة الخليج الفارسي والساحل العربي وفي ذلك يقول في كتابه الكبير عن آسيا : ( أن جميع ما كتب عن هذه المنطقة في كتبنا الجغرافية مستمد من المعلومات الجغرافية العربية والفارسية التي تملك منها خمسة مؤلفات . . ) . الآثار العلمية لابن ماجد أما كيف وصلتنا آثار ابن ماجد العلمية فيرجع ذلك أولا إلى مصادر تركية ولو لم تعلن فيها صراحة أن بعض ما كتبه الأميرال التركي « سيدي علي ريس » بعد نحو نصف قرن من ابن ماجد في كتابه « محيط » هو ترجمة حرفية لبعض كتابات ابن ماجد نفسه . وقد لاقى هذا الكتاب رواجا كبيرا واهتماما من الغربيين فيما بعد . ذلك أنه في عام 1554 م جهز العثمانيون حملة بحرية في السويس بقيادة سيدي علي كاتب رومي الملقب أحيانا بالحلبي ( نسبة إلى حلب ) لاسترداد قطع الأسطول المصري التي آوت إلى البصرة بعد معركة مع البرتغال في الخليج الفارسي . وتمكن سيدي علي بالفعل من الوصول بتسع سفن منها ( وكان عددها 15 سفينة ) إلى ديوو سورات بالهند بعد أن شتت عاصفة أسطوله واضطر لالقاء مدافعه في البحر لتخفيف حمولة المراكب . وقد اشترى أمير سورات هذه السفن وتم تسريح بحارتها وآثر سيدي علي البقاء بعض الوقت بالمنطقة قبل أن يعود إلى تركيا برا عن طريق الهند وخراسان في عام 1557 م . وخلال هذه المدة أتم سيدي علي الجانب الأكبر من كتابه « محيط » بالتركية وقد ضمنه مقالات بعضها من مؤلفات ابن ماجد وسليمان المهري عثر عليها أثناء إقامته بالهند والخليج الفارسي . وقد أشار سيدي علي في مقدمة كتابه بأنه اعتمد في تاليفه على محادثات مثمرة مع المعالمة المهرة الذين التقى بهم في الخليج الفارسي وعلى خمسة مصنفات عربية اثنان منهما لابن ماجد وثلاثة لسليمان المهري . وقد حقق العالم النمساوي توماشك ( 3 ) « kehcsamoT كتاب « محيط » وقدم له باللغة الألمانية عام 1897 م كما قدم أجزاء منه قبله المستشرق همر Hammer في الثلاثينيات من القرن الماضي . هذا وتوفي سيدي على ريس عام 1562 م
--> ( 1 ) حكم بين سنوات ( 917 - 934 ه 1511 - 1525 م ) . ( 2 ) حكم بين سنوات ( 906 - 922 ه 1501 - 1516 م ) . ( 3 ) " Die topographischen Capital des Indischen Seespiegels " Mohit وقام بالترجمة من التركية لهذا الكتاب المستشرق ماكس بيتنر Max Bittner